مدونة انجازات

26 أبريل 2008

40 الجيشُ مُحْدِقٌ بهم

تصنيفات: تجارب موكبية — عبدالشهيد الثور في الساعة 12:50 pm

 

 عند مفترق الطرق ما يُدريك أنك تختار طريقاً ناجعاً … كثيرون مالوا إلى درب الورود طلباً لشذاها … فلم يُعطرهم حين سرقه منهم آخرون … بينما انقبضت أنفسهم من درب الأدغال  والممرات المجهولة … وفيها كان الكنز المُخبأ للجادين المثابرين …
 

جرى في العرف لدينا تسمية المنشد الحسيني رادودا… والرادود كلمة جاءت بصيغة مبالغة على وزن فاعول … صيغة توحي بكثرة أداء الفعل … وإن لم يكن الفعل من أفعال المبالغة إلا أننا نشم من الكلمة هذا … بحكم قربها من اللهجة الدارجة … والكلمة على ما يبدو لا يوجد لها أصلٌ يدل على هذا السياق في اللغة العربية … إنما هي من مبتكرات الحالة العامة … لكثرة ترديد المستهل طلباً لحفظه … أو لكثرة ترديده النصوص الحسينية … لأنه يُردد ترديداً فهو رادود …
 

وفي حكم اللهجة الدارجة المنخفضة يُسمى أيضاً (شيّال) … لأنه يشيل القصائد أي يحملها ويؤديها والكلمة عربية فصيحة … ومن غريب المرادفات في الكلمات أن العُرف يُسمي النعش المعد لحمل الأموات (شيّال) … فللرادود ثلاث تسميات …
 

في العربية الصحيحة يُسمى منشداً … وفي اللهجة العامة يُطلق عليه اسم الرادود … أما في اللهجة المنخفضة فهو شيّال … حتى من يُمارس أداء الهوسات يُسمى شيّال … الهوسات نوعٌ لا يؤديه كل الرواديد … ولكن يجمل بالرادود الخوض في كل التجارب … ما دامت في سياق وظيفته … ليتمكن من تنمية قدراته على كل الأصعدة الموكبية …
 

 فتجدني منذ ما يُقارب هذه الفترة رحت أزاول الهوسات وأتردد فيها … كتبت كثيراً من الهوسات  … بما لا يزيد عن الشطرين أو الثلاثة … كتبت الكثير منها لعبد النبي الكداد … بحكمه محباً لهذا النوع ومتمكناً منه  … هو بدوره لا ينفك يكتب بمقدرته المتواضعة … ويعرض ما كتب علي … أصلح الخلل إن كان فيها خلل ما … من وزن وقافية ومعنى …
 

وليت الكثيرين من المشاركين في الموكب لدينا يكونوا كهذا … يُجيد دوره … ويعلم ماذا يريد … التوجه للغرض المطلوب بمعرفة القدرة يعطيك النتائج المرجوة … أمّا الطامحون إلى درجات لا يملكون أرجلاً للوصول إليها فتلك طموحٌ كسيحة للأسف …
 

عام 1413هـ … هذا العام وليلة العاشر مُقبلة علينا تقذف في النفوس هيبة وجلالاً … أعددت وقفتين … وجئت أعرضهما على مجموعةٍ من الأخوة … ومن عادتنا الجلوس في الغرفة العلْوية في الطابق الثاني في المأتم … قبل الموكب هذه عادتنا … نتداول ما لدينا من قصائد وألحان …
 

عرضت الوقفتين برجاء تنويري … بطبيعة خبرتي أجيد اختيار اللحن المناسب لليلة العاشر … وما خاب من استشار … عرضت لهم وقفة … يا عزيزي يا عزيزي … زينب ودّعوها … ثمّ أعقبتها بالثانية … في كربله مفجوعين … قرَّ قرار الأكثرية على رجحان الثانية على الأولى … لما فيها من توقد وتلهب وحماس … سيما في كسرتها … يابوعلي … ويّه هلي …
 

بهذا التقدير رأيت أن أقدم الأولى لأرى مستوى نجاحها … وتبقى الثانية للاستعداد … أول ما توقف الموكب بدأت بوقفة .. يا عزيزي … واسترسلت في تأدية المستهل وأعقبته بالفقرة … كانت المفاجأة تعقد اللسان عن الجواب … التفاعل معها منقطع النظير بما لم أره من قبل …
 

الرقة تقطر من كلماتها … والمعزي يكاد يذوب شجناً من وتيرة لحنها المنبري … وكلما أعدتها في المواقع التالية تجدد نجاحها … وصارت تُثير إحساساً يبعث المنافسة … أدخلت الوقفة الثانية على الخط … ولكن للأسف لم تنل نجاح الأولى … لقد استحوذت الأولى على الألباب … ولم تبق للأخرى شيئاً من الإعجاب …
 

هذه التجربة تشير إلى أن بعض النجاح قد يخفي نجاحاً آخر … الوقفة الثانية ليست أقل كفاءة من الأولى في تقديري … ولكن لتقديم الأولى في الموقعية … ولتميز ما في لحنها … أعطاها كل هذا مرتبة التقدم والتفوق … وتخيب التقديرات في أحيان … كما كان في هذه المرة … وضعنا معايير للنجاح … وكان الواقع يرسم معايير أخرى … كل المعايير صحيحة … ولكن لوجود بعض الفوارق في النسب تختلف النتيجة .
 

في هذا العام أيضاً انتقل موكب ليلة الحادي عشر من موكب مكون من حلقتين تتجاوبان إلى موكب بهيئة المسيرة … يُسيّره رادود بقصيدةٍ متكاملة … في السابق كان الموكب بصيغة الحلقتين تتناوبان الرد على بعضهما …
 

منذ هذه السنة أصبح الموكب مختلفاً … ألقيت في هذه الليلة قصيدة ذات نسق شجي … يبويه خلوني … بالغربة عافوني … ولا يخفى على ذي لب ما في هذه الليلة من الشدة والألم على أهل البيت … فهم في ليلة تذكرهم بماضيهم الزاهر والعامر بظل الأشاوس من بني علي … أما الليلة فالخيام فارغة إلا من النساء والأطفال … والأرض حولهم مغطاة بدماء أحبتهم … والجيش محدق بهم … مُسَلَّبين منكوبين ينتظرون فجراً يُشابه فجرهم الفائت .
 

في هذه الفترة تم التأسيس الواضح لبحرنة الألفاظ في القصيدة الحسينية … تم تحويل حرف (چ) إلى حرف (ش) في الكلمات … مثلاً في الوقفة السالفة … ايعز عالقلب والله أخليش … ولو كنا في الفترات السالفة لكان مكان حرف الشين حرف (چ) … وبدأت العبارات البحرانية تشق طريقها إلى القصيدة الحسينية … وبدأ عهد التحرر من القصيدة العراقية نوعاً ما …لنا عودة
 

39مُحاولةٌ فاشلة

تصنيفات: تجارب موكبية — عبدالشهيد الثور في الساعة 12:49 pm

 

القوة تدعو إلى الظلم … والظلم يدعو إلى البطر … والبطر قائدٌ يُعربد في الرؤوس … وبتلك القوة يقضي الإنسان على نفسه مظلوماً … ظالماً نفسه … بعربدةٍ طائشة يرسل الإنسان حتفه إلى نفسه …
 

استدعت الداخلية مسئول المأتم … بلا مُقدمات أبلغوه بأمرٍ غريب … لا تخرجوا بالموكب هذه الليلة … ليلة وفاة الإمام الكاظم (ع) 1412هـ … مُحاولة لتضييق الخناق على المواكب … يبدو أنها في طريقها إلى التوسع والخروج عن السيطرة … في تلك الليلة الماطرة أخبرنا بأمر الداخلية … عقدنا اجتماعاً طارئاً للإدارة … لم يتقبل أكثر الإداريين أمر الداخلية … سيّما أنه دون مبرر يلزم … أصرَّوا على الخروج وإحياء الذكرى … تحدياً لعوامل الشتاء ولمنع غير مبرر …
 

أقمنا الموكب وخرج بصوت مُحسن العرادي في قصيدة المسير … والأمطار متواترة … ألقيت مقدمة ووقفة … المقدمة تخوض في مأساة الجزائر الطارئة حديثاً … بين الإسلاميين والعسكريين … رباه يا رباه … اشتدت المأساة … شجب لتعطيل الدستور لديهم وترجيح القبضة العسكرية … قلت فيها … وجاؤوا بالشيطان كي يجيد الدور … فأينه الحق وأينه الدستور …
 

وكأنّ الكلمات تستشرف المستقبل لما سيحدث في بلدنا البحرين … من سلب حقوق وتعطيل للدستور … في فجر اليوم التالي كان الاستدعاء أول ما صبّح بنا  … حضر المسئول في المركز … أبدى الضابط غضبه في وجهه لمخالفة الأوامر … أعتذر له بأنَّ الإدارة لم تجد مبرراً لعدم الخروج … وإنَّ هذه المناسبات من صميم العقيدة … وهي تجري في دمائنا ولا يمكننا الاستجابة لمجرد أمر دون أسباب … صرفه الضابط ولم تجر أية مضاعفات للموضوع من ناحيتهم …
 

في تلك الأيام كان على المأتم أن يخطر المركز بأية ذكرى قبل إحيائها … ولم تكن تلك الحركة إلا محاولة لجس النبض … أنستجيب ونركن للأوامر مذعنين أم ماذا ؟!… فكانت المحاولة فاشلة .
 

تلفحنا محاولاتهم وضغوطاتهم ولا تنكسر قناتنا … من هذا الواقع وواقع أئمتنا المليء بالظلامات قدمت وقفتي الأخيرة قبل انصرافي لأداء فريضة الحج … كلما أعود بخاطري للأيام أنظر مآسي …
 

تروي الكلمات معاناتنا بين المسلمين … وإقصاءنا كمذهب فقهي معتبر … الوقفة جاءت بأسلوب جديد … أقدم الأبيات ببطء يُناسب مقدمة الوقفة … ثمَّ أضخ السرعة فيها بدرجات  متتالية حتى تصل إلى سرعة الوقفة … أو أنقلها من اللحن البطيء إلى السريع مباشرةً .
 

ورحلت لأداء المناسك بعدها … في الوفاة التالية … ذكرى استشهاد الإمام الباقر (ع) … كذكرى لي وبسبب غيابي الذي لم يسبق حصوله عن الموكب … ألقى الأخوان جعفر ومهدي سهوان قصيدة بلحن … مكتوبٌ على راياتِ الإمام … بنص جديد طبعاً … بجرعات مضاعفة من الحماس أديا القصيدة … حسب ما سمعتها من التسجيل بعد عودتي من الحج …
 

في موسم الحج تمر بنا مناسبتان … ذكرى وفاة الإمام الجواد (ع)…  أحييناها في سرداب عمارة تقطنه حملة الشيخ منصور حمادة … مختبئين بالتأكيد فلا يمكنك أن تتمتع بكامل حريتك في ظل وجود  من يكفرك … ولا بد من محاربتك ووأد طقوسك بما أوتيَ من سلطة … سلطة القمع واللا نقاش …
 

في يوم آخر أحييت المناسبة لدى الأخوة النخاولة … شيعة المدينة المنورة … في شقة نائية وبتستر وحيطة … هذه دول التعاون … نحن في البحرين نحظى بإجازة لإقامة عاشوراء … ونسفر عن شعائرنا في الشارع … بينما في الجوار لا يتمكن أحدهم من التصريح بهوية مذهبه…ولو تفوهت باعتراض سيقال لك اشكر ربك على ما أنتَ فيه … مضحكٌ الأمر… كمن يسلب أرضك … وعندما يعيد لك نصفها يريدك إبداء القبول لمجرد رؤية مغتصب آخر لم يُعد شيئاً مما اغتصب ….الذكرى الأخرى وفاة الإمام الباقر (ع) … أحييناها في السكن في مكة المكرمة بلطمية متواضعة ..
 

 محاولات التقريب بين المأتمين على قدمٍ وساق قائمة … اقترحنا في 1413هـ ثنائياً يجمعني والرادود رياض يوسف … الأول قدمناه بقصيدة … واقتيلاً واصويباً … ليلة سابع في مأتم السنابس … والثاني في الليلة التي تتلوها بقصيدة … استمع هذي الوصية الخالدة … في مأتم بن خميس …
تتعدد لدينا في الموكب مرافقه … الزنجيل يلقى اهتماماً خاصاً…  في السنوات السالفة كانوا يمارسونه بزناجيل تحمل في نهاية سلاسلها سكاكيناً … يخلعون أقمصتهم ويدمون ظهورهم بتكرار الضرب عليها بالسكاكين … بعض السكاكين طبيعية …  وبعضها ذات أشكال غير مألوفة … ملتوية الأجسام … حادة الشفرات … تقع على الظهور فتحدث أثاراً بليغة … فتتصبب الدماء على سراويلهم وملابسهم السفلية …
 

النمط الأغلب الأكثر يستخدمون زناجيل ذات سلاسل مجرّدة من السكاكين … ولا يخلعون أقمصتهم … القليل النادر من يجرد ظهره من اللباس باستخدام هذه السلاسل … ولعل ضرب الظهور بهذه السلاسل مواساة لما لاقاه أسرى كربلاء من قيود وسلاسل آسريهم …
 

ولموكب الزنجيل مراسيم خاصة … يؤدى الموكب بطريقة استعراضية عسكرية … يشكله صفان متقابلان طويلان … يمشي الصفان بحركة جانبية … وبتحريك الأرجل على إيقاع الطبل والطاسة النحاسية …
 

 كلما طال صف المشاركين تطلب الأمر المزيد من الطبول والطوس … يقرع صاحب الطبل على الطبل بطريقة مشابهة لضربات اللطمية الثلاث … ويتوالى ضرب المعزين على ظهورهم بالزناجيل على إيقاع الطبل … مرة يمر بالزنجيل من جهة عاتقه الأيمن والثانية تمر بعاتقه الأيسر …
 

 وللإيرانيين ولع بهذا الموكب … يُجيدونه أكثر من غيرهم … فترى بعضهم يستخدم الزنجيل بثقة ودقة وبراعة … ينقله من يدٍ لأخرى … أثناء تحويل الضربة إلى العاتق الآخر … وبعضهم يستخدم قطعتين من الزنجيل ثقيلتين …
 

لأول مرة شاركت في هذا الموكب في عام 1413هـ بقصيدة … ابكربله يا محروم … الزنجيل يحتاج لتركيز الرادود … عليه الدخول بلحنه بعد انقضاء ضربة الطبل الأولى ويدخل مع الثانية … بعض القصائد تُلاقي تفاعلاً جماهيرياً فيتجاوب المعزون مع نهاية أقفالها …
 

يعتمد القائمون على هذا الموكب أسلوب الفواصل لتنشيط الموكب … في هذا الفاصل يصمت الرادود أو يُردد فقرات معتمدة … يرددها بعبارات مختلفة … ويُجيبه الجمهور بردٍ واحد على كل العبارات … هو يقول … يا بن الزهره …على الغبره … من غسله … من كفنه … والجمهور بحرقةٍ وتفجع وحرارة إحساس يُجيب … يا حسين…  ولربما ابتدأها الرادود مفتتحاً …حسين حسين حسين … واختتمها  بها …لنا عودة

38 كاذبٌ كاذبٌ كاذب

تصنيفات: تجارب موكبية — عبدالشهيد الثور في الساعة 12:47 pm

 

 تحبو الفتنة في أحضان الفوضى … النظام متعبٌ لكنه أنفع … وهوالفانوس الذي يستهدي به المنجزون … وفي معاداته تخلّف ورجوع سريع … مراعاته مشقة لذتها لا بد آتية … رأيتها أولم ترها .
 

خطوة مباركة قام بها المأتمان وأصحاب النفوس النبيلة من الداعين إلى التلاحم في خطى عاشوراء … وخطوات كهذه تحتاج لإتمام ومتابعة … الخطباء يستوعبون الوقت بمجالسهم … ليس كل اللوم عليهم … بعض اللوم على طريقة التعاقد … فهي لا تراعي ولا تضع المأتم الآخر بعين الإعتبار … وتُعطي للخطيب الحرية التامة لاستنفاذ الوقت … ويحدث الخلل المتعب … فترى أحد المأتمين لا يؤدي عشر دقائق داخل المأتم … ويضطر للخروج … بينما الآخر يقضي ما يربو على الساعة في انتظار موعد خروجه حسب التزامه مع المأتم الثاني …
 

في الأربعين لي قصيدة أديتها في مأتم السنابس … يالهواشم جينه وادي كربله … أنهيتها ودعمتها بثلاثة موشحات متتالية … بانتظار وصول الموكب الآخر … ولم يأت بعد … أعدت الموشحات مرة أخرى … حتى تعب وكل المعزون … تجاوز الوقت الساعة الكاملة … وما جاء الموكب المنتظر … إلا وقد أجهد المعزون …
 

مثل هذه الواقعة حدث كثير … وهي بالفعل تؤثر سلباً على حركة التنسيق الطيبة … وقد تساعد على عكس النتائج … فهذا الإنتظار … وتلك العجلة في المأتم الآخر تشحن النفوس تحاملاً … في حين تكون العملية لمرة واحدة يمكن التغاضي عنها … ولكن عند تكرارها لمرات … فهذا دليل سوء التنظيم …
 

بعد اللُتيا والتي تلوح مقدمة الموكب … لوحة خشبية متباركة بآية … الله نور السموات والأرض …موكب عزاء مأتم بن خميس … لها قائمتان خشبيتان … يحملها من كل جهة فرد … ويضعانها حين التوقف … حين يأمرهم من يسير الموكب ويحركه … في ظهر اللوحة صندوق خشبي … يوضع فيه جهاز تسجيل … يعبأ الجهاز بشريط قرآن أو مجلس نعي أو إحدى خطب الأئمة …
 

أسوأ ما في الأمر أن يدار شريط القرآن … ومقدمة الموكب تشق أفواج الناس المنشغلين بالأحاديث الجانبية … غير دارين بكتاب الله … ظاهرة تحتاج لإعادة النظر فيها … كمظهر أولي ممتاز أن تتعطر المقدمة بآيات من القرآن الكريم …وكصورة ثانية ليس مكان القرآن بين اللغط وزحام المتكلمين …
 

وللموكب مؤخرة مكونة من قماش كتب عليها (مؤخرة الموكب) … ولهذه المؤخرة قصة …يحكون لنا أنَّ مجموعة جاءت وكونت موكباً … وسارت خلف الموكب يوم العاشر من محرم … في إحدى السنين الخوالي … في الخمسينات أو الستينات … تعرضت المجموعة في قصائدها للحكومة … استدعى الأمن القائمين على الموكب وعاتبهم معنفاً … نفو ارتباطهم وعلمهم بهذه المجموعة … وأنهم أقحموا أنفسهم على الموكب عنوة …ليثبت الأمن سيطرته على الوضع ألزمهم بوضع مؤخرة للموكب … بيرغ من القماش … لا يسمح لأحد بالتسلل بينه وبين الموكب …
 

ويستمر بنا الركب نقدم القصيدة تلوَ الأخرى … موكباً بعد موكب … وفي ذكرى وفاة الرسول (ص) قدمت وقفة تعتمد في نسج أبياتها على وزنين … أقدم الوزن الأول … قل للذي جاء لها بظلمه الأعمى … وبعد استنفاذ الوزن الأول بأبياته … أنتقل إلى الوزن الثاني … اليوم قد مات النبي فما يكون …وبهذا أصبحت الوقفة ذات تأسيس جديد … يعتمد على وزنين … دون التزام بهذه الطريقة على الدوام … وكان هذا في عام 1412هـ .
 

ربّما اعتقد البعض أنّ مد البدعة لأصحاب السفارة قد اضمحل … كلا كان يتنامى … ولا بُدّ من مواجهته … الكثير من الرواديد نددوا بها في قصائدهم … هذه البدعة الخارجة من جلباب الدجل … هاجمتها بوقفة قدمت فيها نبذة تفصيلية لكل الذين ادّعوا الإرتباط بالإمام الغائب كذباً .. كالعبرتائي والشلمغاني والبهائي وغيرهم … جاءَ لنا ببدعةٍ مجرم …والكل عن بدعته يعلم … كاذبٌ كاذبٌ كاذب …
 

والكتابة بهذه الطريقة كالبحث … تحتاج إلى جهد مضني في تدوين المعلومات وتبويبها … أما إدراج الأسماء في الوزن فذلك الصعب والقلق … ولكن ليس هناك مستحيل ما دامت الإرادة حاضرة … وبمثل هذه الصعوبة تكون صعوبة تحويل النص المشهور في قالب الشعر … كالخطب المشهورة …
 

ولم أجد الصعب عائقاً ولم تكن العزيمة هامدة … قسطاً لا بأس به من خطبة الصدّيقة الزهراء (ع) ضمنته في قصيدة … واألماه وافاطماه … ومنها هذه الفقرة … الحمد لله بما قد قدما .. والشكر لله على ما ألهما … بالملكة والقدرة الأدبية يمكن تطويع النصوص في القالب الشعري … المهمة صعبة غير مستحيلة … على الشاعر عدم اليأس من المحاولة … تقديم الكلمات وتأخيرها ومحاولة تنضيدها في الوزن برويةٍ يُعطيه نتائج حسنة … فما ليس ممكناً بشكل ما … يكون ممكناً بالشكل الآخر …
 

نحن في مواكبنا لا نهمل قضايانا المصيرية … مع أننا نواجه التقريع من الجهات الأمنية … ولا تجدنا إلا ونجد روابط كثيرة بين مآسينا ومناسبات الحزن الكثيرة في حياة أهل البيت (ع) …فمن صبر الزهراء نُعزز الصبر العام على تحمل الوجع المعيشي … ومواجهة اسرائيل المعتدية الشرسة …
 

 بهذه الإندفاعة الحارّة كتبت وقفة وقدمتها … صبر الزهره نموذج توعوي … لسنا أصحاب دموع جوفاء … لا تعرف إلا البكاء الفارغ … أحزاننا تبعث الوعي في آفاقنا … وننطلق منها نعالج كل ما نلاقيه بها …
 

ونشير من أوجاع أهل البيت (ع) إلى أوجاعنا … في ذكرى الكاظم (ع) السجين … تنفتح أمامنا قوافي الشعر كالفضاء الرحب … فلنا معتقلون غير منسيين في سجون عبّاسية … إلا أنها حديثة … وعلى ثغرنا لمحة شجن لا تنمحي … ولهؤلاء السجناء أبناء ينتظرون … يُراقبون الفجر … يُعانقون السُهاد … بهذه المشاعر كتبت موشحاً … صرنا يا الكاظم يتامى …
 

زحفت الكلمات تصور إحساس الابن بحنان الأب …  الناس ليها الأبو … عزّ وعليه تعتمد … بينما في الشطر الثالث أعمد إلى تغيير كلمة القافية فأقول …عز وعليه تتكل … وهذا نوع من تحريك القوافي … وإبداء المقدرة في إيجاد القوافي البديلة لمجموعة أبيات … ويحتاج هذا النوع لسعة حصيلة بالمفردات والمعاني … ليتمكن الشاعر من إنجاز نصه … وفي هذا النص لامست مشاعر أبناء المعتقلين … وترجمتها للناس … وحقاً في كثير مما عاناه أئمتنا شبه بما يُزجيه لنا ظالمونا … لنا عودة

37 أزفت لحظة الوداع

تصنيفات: تجارب موكبية — عبدالشهيد الثور في الساعة 12:46 pm


 

 الكراهية مخلوق لا يُجيد الوئام … أجمل ما يمكنها إيصالك له أن تضعك في الهاوية …كلما تشعبت مسالكها أتعبت حاملها … أجملها كالفأس تأكل في جسد صاحبها … معتوهٌ من يزدرد غيظاً يؤذي به معدته …
 

لما نزل في الأشهر الأخيرة من عام 1411هـ … ومع ما تعانيه الطائفة من كبت وتضييق أثناء زيارة قبور أئمتها … فاضت القريحة بهذه الوقفة … جميعاً نضج واإسلاماه … بطشت كلماتها بالسلفيين … وأنكرت ما يقومون به من أذى للمسلمين بصورة عامة … وللشيعة بصفةٍ خاصة أثناء التوجه للبقيع …
 

فيها تصريح وتنديد بمذهبهم … ولا عظات تجدي في من هو وهّابي … ليلاً ألقيتها … وما إن تسلل النهار إلى قريتنا حتى جاء أمر الإستدعاء للحاج محمّد على مرهون بالمثول أمام مركز الخميس …
 

ما أسرع الرسل بالسوء … لم تشرق الشمس بسعاتهم إلا وأخبارنا في ملفاتهم … وعاد الحاج من المركز ليعقد اجتماعاً طارئاً للإدارة … لوّمني وعنّفني على كلماتي القاسية الصريحة تجاه تيار تُسانده أجهزة الدولة …
 

بسط لنا ما دار بينه وبينهم … وتعهده بعدم تكرار الأمر تلافياً لملاحقاتهم …. ولم يمر الحدث دون شيء يُذكر … أمر الحاج أن أوقف عن المشاركة لمدة مناسبتين متتابعتين تفصلان بيننا وبين محرم الحرام … الحنق أكلني حينها … ولا أستطيع ابتلاع العقوبة بسهولة … ولم يشفع لي كوني إدارياً …
 

الذكرى التالية كانت من نصيبي للمشاركة ليلاً في موكب المسير … القصيدة التي أعددتها أعطيتها هي بلحنها لحسن المعلمة … ليلقيها عِوضاً عني … كما أسلفنا هو بارعٌ في حفظ الألحان بجدارة …
 

بعد مرور سنوات تمكنت من استيعاب الموقف … العقوبة التي نالتني أفادتني … استطعت أن أكون أكثر دِقةً في نظم الكلمات … وأن أستخدم التلميح عوض التصريح … ويبدو أنَّ الحاج كان ينوي إبعادي عن مسامعهم وتركيزهم … أولئك المتنصتون لكل كلمة من أفواهنا … وهكذا كان موقف الإدارة مع أكثر من رادود … إجراءات وقائية .
 

ولم أستطع التوبة عن مهاجمة من يهاجموننا … بقيت محاربتهم ماثلة في خلدي ولا تفارقني … ولا بد من مواصلتها … أعدت الكرّة ثانية بسلاح آخر … إن كان التصريح أضرني فلن يكون ناجحاً إلا التلميح … ولم يمر عام إلا وأنا عائدٌ بوقفة من نفس الوزن السابق تقول … وقبلها قد قلنا … ولا عظاتٍ تجدي … إشارة إلى صدر البيت الفائت … حيث جعلته في هذه الوقفة عجزاً … ولا يحتاج إلى تكملة … وإنما نهايته تقودك إلى الوقفة السالفة …
 

وهذا فن في إتقان التلميح … والوصول إلى الغاية المنشودة من النص … عرفت من هذه التجربة ضرورة اعتماد المعميات والتلميح المبطن عوضاً عن المكشوفات والتصريح الفاضح … وتعلمت أن الكناية بهذه الصورة تجعل الشعر لذيذاً ممتعاً … أفادتني العقوبة في التشدد في سبك النص … والإصرار على اختيار المُفردات بعناية ودقة …
 

في محرّم الحرام تتوزع المشاركات بين المأتمين … نوزعها بتنسيق وجدولة مرتبة … في عام 1412هـ نلت أول مشاركة داخل مأتم السنابس … بعد قطيعة سنوات … بحماك وياك … بدأتها بهذه القصيدة … حينها بدأ المأتمان في التنسيق بينهما … يتقدم مأتم بن خميس … يصل إلى مسجد الجوادين فيتجاوزه بعد أداء الوقفة … ويعقبه مأتم السنابس … حلقتان متتاليتان … تراعي كلٌ منهما الأخرى في السرعة والبطء … وفي إسراع الحركة كي لا تحجز الطريق عن الحلقة الثانية …
 

ونحن بدورنا كرسل بلاغ وأصوات حسينية نتنقل من موكب لآخر … كل من الرواديد له مميزاته … البعض يبرع في ابتكار المستهلات أقوى من الفقرات التالية … وهكذا هي الألحان على وجه العموم … لا تأتي قوية كاملة من ألفها إلى يائها إلا في القليل النادر … فهذا يحتاج إلى تمحيص وتدقيق … وأزعم برأيي أن الألحان خدّاعة … أحياناً تقدر الجمال في لحن … ويصدمك تنفيذه في الواقع بفشل قدرته على النفاد إلى النفوس … وأحياناً يكون المحيط عاملاً قوياً في الإنجاح والإفشال …
 

في تراث قريتنا كثير من الثوابت حينها … نشأنا ونحن نسمع … قوم يبن العسكري وشيل العلم … يرددها الكبار … قصيدة محفوظة في  الصدور … يتلونها من قفص صدرهم مباشرة … القصيدة للمرحوم حسين بن خميس (أبو علي) كان يُلقيها في ليلة عاشوراء …
 

لا أعلم النص لمن بالضبط … إنما هذا ما كنا نسمعه والعهدة على الراوي … أفضل من سمعته يؤديها الحاج حسن راشد … يقف أمام اللاقط … ليلة العاشر مع مقاربة ختام موكب الداخل … يضع صفحة يده بمحاذاة أذنه…  وتنطلق حنجرته تُعيد الأبيات المحفوظة … المشاعر تنجذب لتلك الكلمات … سيما وهي تستنجد بالغائب المنتظر ليرى ما حلَّ بجده وعائلته يوم عاشوراء …
 

ولا يفوته أيضاً ذكر القصيدة الثانية … زينب تدعو أباها… علي حيدر … يا صاحب الكوثر … هذا حسين شهيد … كذلك هذه الفقرة يزداد الإنفعال العاطفي معها … بدوري أنا حين كانت لي مشاركة لأول مرة في ليلة العاشر … تولّعت  بالقصيدة الأولى … أضفت أبياتاً جديدة لها وأعدت إلقاءها من جديد … فطبعي لا يُحب تكرار المكرور مع وجود القلم في جيبي …
 

ليلة العاشر هذه تتملك النفوس … تبذل النفوس فيها كل ما لديها دون شعور … يتحرّق الشيعة اللاطمون لمواساة أهل البيت فيها … الواقعة حدثت عصر عاشوراء … لكننا نشعر بها ليلة عاشوراء أكثر …
 

مع هبوط الظلام … واستتباب الهدوء يكون للحزن وقعٌ مختلف … وطعمٌ مرير … ففي تلك الليلة ختموا وصاياهم … وتيقن الفاقد من الفقيد … إذن في تلك الليلة تأزف لحظات الوداع … ولا بُدّ لنا في تلك الليلة من التوديع … هذا الوداع يا حسين … نصٌ يلقيه الرادود … فتنهمر عليه أصوات الجمهور ملبية بنفس الصوت … وتضاف له عدة فقرات يرددها الرادود … حرقوا اخيامك يا حسين … سلبوا حريمك يا حسين …
 

أضفت نصاً جديداً من الأبيات الطويلة لها … شيعتي إنَّ العدا في كربلاء قتلوني … ثم أعود للقفل الرئيسي … كانت العملية حركة تجديد في ما هو متوارث … لكسر الرتابة وإضافة ما يستجد على الموروث … كانَ هذا في عام 1412هـ ….لنا عودة

36 شيطانٌ يواجههُ شياطين

تصنيفات: تجارب موكبية — عبدالشهيد الثور في الساعة 12:46 pm

 

إبقاء شيء من أسرارك في سرك يحميك … ومن يعرض كل مال لديه يستهلكه الآخرون … ولا يبقى له لحين الأزمة ما يلجأ له … ضع نغمة في أوتارك تحافظ على لحنك … وفي عالم العلاقات كما في عالم الماديات … تمام الإفصاح يؤدي إلى الندامة … وتمام البذل يؤدي إلى الندامة … دع شيئاً من أبيضك لأسودك ..
 

بعدما آزره الخليجيون بكل ما أوتوا من مال … دول الخليج مجتمعة أسبغت عليه من أموالها سيولاً … ودعمته بالكلمة الزائفة … مع كل هذا وما إن انتهى من حربه مع إيران حتى توجه تلقاء الكويت … كما لم تغفر لإيران وحدة الدين والجوار … لم يغفر للكويت وحدة اللغة والجوار …
 

كان جزاء لدول الخليج المتعاضدة على الظلم أن يعكر أمنها صدّام بحربٍ تحول ليلهم أرقاً … أعطوه من أموال شعوبهم ما هي بحاجةٍ إليه … لكي يقضي على ثورةٍ فتيةٍ في مهدها … غضوا أعينهم عن أطماعه فيهم … وصوبوها لوهم شجعهم على تصديقه الكبار …
 

وكما في الحديث القدسي … الظالم جنديٌ أنتقم به وأنتقمُ منه … هذا هو حامي البوابة الشرقية … وبطل القادسية … الذي لو تفوه أحدنا بحرفٍ ينال منه لعوقب وقتها … هجم على الكويت وشرّد الأبرياء … وأحالَ وطنهم إلى أرض يُعشعشُ فيها الخراب …
 

كانَ هذا في يوم الحادي عشر من محرّم الحرام 1411هـ الموافق 2 أغسطس 1990م … بهجومه على الكويت غير المعادلة لدى حُكّام الخليج … وأصبح أخطبوطاً تخشاه الدول المجاورة … وهرعت أساطيل الدولة العظمى أمريكا إلى مياه الخليج … واستنفرت قواعدها القابعة في الدول الخليجية …
 

استبد الرعب بالمواطنين … فهم أمام شيطانٍ يُواجههُ شياطين … الناس بين فكي بلاء … بين الدمار والخراب أو الموت … وجاءت ذكرى وفاة الهادي (ع) في الثالث من رجب … وبدأت الحرب المضادة لصدّام … دمّرت الطائرات بغداد … وراح صدّام يغوص في بحر هلوساته …
 

أصرّينا على إحياء الذكرى … وصواريخ سكود وباتريوت تعبث بالفضاء … وصفّارات الإنذار تصمُّ الآذان … لدينا يقين بأننا محفوظون … وسنحيي الذكرى على أنغام الصواريخ … ورحنا نقتحم المجهول … وقدمت موشحاً لوقفة … قلنا لهم ما نفعكم بالظلم … فاستبشروا هذا حصاد الظلم … فيها تقريع وتلويم لمن أمدّ صدّام بالمال … وجعله قوياً مستأسداً عليهم … ثمّ يتباكون مما جرّه عليهم ظلمهم لأنفسهم وللجمهورية الإسلامية …
 

أحيينا على هذه الطريقة عِدّة مناسبات … لا نأبه لما يدور في السماء من مُناوشات … وإنها لإرادة قعساء في أصحاب المبادئ … وقناعات لا تُذيبها البراكين … و إن الجبل ليفلّ منه ولا  يفلّ من المؤمن …
 

العمر يمشي بنا ونمشي به … سيرتنا في إحياء الذكريات لا  تقف … في نفس الذكرى ألقيت قصيدة داخل المأتم … مطلع يُشبه ما نُردده في تشييع جنائزنا … لا إله إلا الله … بنفس اللحن المستخدم في حمل نعش الأموات لدينا … ثمّ أعقبتها بكسرة … شيعوا اجنازة وليكم … يخلف الباري عليكم … نص القصيدة يُحاكي ما نعيشه من شعور في دفن موتانا …
 

النص محاولة لنقل المستمع لجوٍّ مقابري يبعث الرهبة في خفقات نفسه … الموت ذلك الحاضر الغائب … تخشاه النفوس وتخشى ما فيه من معميات ومجاهيل … وأظنني بهذه الترديدة الجنائزية نقلت مستمعينا إلى جو مقبرتهم … ومشهد دفن موتاهم … وصورة الملا عيسى يُلقن الميت فوق شفير القبر …
 

ملا عيسى رجل صالح … تقي وقور … شيبته قليل سوادها … تيقظت عيناي في الدنيا … ورأته يصعد المنبر لا يكل من منبره … أذابَ نفسه في خدمة الحسين … حتى في الأعياد … يفتتحها بمجلس حسيني … هذا الرجل في ذاك الزمان … حين لا طلبة علم ولا معممين في القرية … كان ينوء بحمل متطلباتها … ينادي من مسجده المواجه لمنزله بالدعوة لصلاة الخسوف والكسوف والعيدين … ويأم المصلين … وما إن تسلم روح إلى بارئها إلا وتكون رجلاه أحطَّّتا في المقبرة …
 

يخط بيده الهرمة فوق الكفن … يذيب التربة الحسينية في الماء … ويهيء له قلماًً من عصا جريد النخل … وتعطر كفه صفحة الكفن بكتابة الآيات وأسماء أهل البيت الطيبين الطاهرين … وآخر المهمات يختمها بتلقين المتوفي … وينهض بقامته الفارعة …
 

ويعود إلى منبره … يهوى خطب علي ويحفظ منها الكثير … لم تفتر طاقته عن أداء طموحاته … أعاد بناء المسجد … وشيد بجانبه حسينية برفقة أهل الخير من بني قومه … بكل مايحمل من هذه العبقات تحضر صورته في القصيدة …
 

كلما ترقى المتعامل مع اللحن في  فنه أمسك بزمامه أكثر … الوزن الواحد تستطيع تطويعه لأكثر من لحن … بنفس الكلمات ألقيت هذه القصيدة … حزنا على ساداتنا الطاهرين … قطعت نصف الطريق بلحن تموج الأنفاس الحزينة في نواحيه … وأعقبته في النصف الثاني بلحن صعدت من وتيرة الإيقاع وأصبح الحماس يهدر في ضرباته … بنفس الكلمات … تحولت كل الكلمات الرقيقة الشفافة السيالة بالعاطفة إلى حزن عارم يتشظى غضباً يكاد سعيره يطال مسببيه …
 

 وحينما تتوتر العلاقات ويظن الناس بنا شراً نلطف الأجواء بعمليات ثنائية … قدمنا حسين سهوان وأنا ثنائياً لأول مرة في وفاة الإمام الصادق (ع) لعام 1411هـ بقصيدة … من وصايا الإمام … بتلك القصيدة أصبحت الإشاعات رجماً بالغيب … نختلف في الرؤى … ولاينبغي لهذا الموكب إلا أن يعلمنا أن نختلف ولا نتعادى … وإلا لما كان الهدف المنشود من الموكب متحصلاً .
 

أستطيع من بعض الروايات استخلاص المعاني الجميلة لفكر أهل البيت … استطاعوا حقاً تعليمنا فن الإختلاف … فحوى الرواية يقول سُئل الإمام الحسن والإمام الحسين سؤالاً واحداً … لكل منهما على حِدَة … السؤال … متى تحب أن يأتيك الموت؟ … أثناء الصلاة أم بعد الإنفتال منها؟ …
 

أحدهما أحب الموت أثناء الصلاة ليلقى الله مصلياً وأثناء تأدية الواجب … الآخر أحب الموت بعد إتمام الصلاة ليقابل الكريم بنفس أتمت ماعليها من واجب … هذا درس يعلمنا إياه أهل البيت … في فن الرؤية … رؤيتان مختلفتان لا تدعوان للتنافر … فلكل رؤية … وليس على الآخر منا رمي من يخالفه بصفات لا يرضاها لنفسه … فلو وضع المتهم مكان من يتهم لعرف مقدار ما يتلقى الآخر … سلام الله على فكر حاربه أعداؤه بالصد والنكران … وتجاهله محبوه وأغراهم الشيطان….لنا عودة
 

35 أحاديث يُرسلها اللحن

تصنيفات: تجارب موكبية — عبدالشهيد الثور في الساعة 12:45 pm

 
 

الصراع لا تخلو منه أرض … الأنفاس في الحناجر تتصارع … ولك أن تأخذ لنفسك من نفسك … الخاملون لا ينتجون … ويموتون قبل موتهم بسنوات … تأخذ منهم الدنيا … ولا يأخذون منها … ككومة القش تأخذ منها الريح في كل هبة ما تُريد … إلى أن تكون ختاماً إلى الإضمحلال …
 

في عام 1411هـ بعد أن كانت الوقفات مفردة … حاولت في جعل الوقفة  تعتمد على شطرين أساسيين … الشطر الأول مقدمة بإيقاع يتحمل نصف سرعة الوقفة الأساسية … ثم تعقبه الوقفة المعتمدة بالإيقاع السريع …
 

أقدم بالموشح الأول … هذا شهيدٌ سمه الظلام … ثم تتلوه الوقفة … الإمام الشهيد نادى … بهذا انتقلت الوقفات من طور الفردية إلى طور الموشح والوقفة … ثم توالت الموشحات والوقفة لمدةٍ طويلة … لا أقدم وقفة إلا بموشح يسبقها … وأخذت الوقفات بهذا الأسلوب بعداً ناجحاً محبوباً … بوجود النوعين تستطيع تطعيم الوقفة بأكثر من أسلوب … أحداهما باللهجة الدارجة والثانية بالفصحى …
 

زمنٌ جميل ما تقل تلك الفترة من ذكريات نقاشاتنا الجانبية … عقب كل موكب أثناء تناول الوجبة التي تقدم … من الحليب وشيء من (البخصم) أو السندويشات الجاهزة … نتحاور مع الشيخ منصور حمادة حول الوقائع التاريخية … ومواقع الكلمات من الإعراب …
 

في ذكرى غريب خراسان الإمام الرضا 17 صفر 1411هـ ألقيت موشحاً قبل القصيدة … من صغرنا كلنا وفي عهود الصبا … نُقيم لطما على من مات مغتربا… نتجادل كثيراً في حقيقة حركة الإعراب التي يستحقها حرف اللام في كلمة (كلنا) … بين من يعطفها على كلمة (صغرنا) … وبين من يرفعها بالإبتداء … وإنما جاءت متأخرة للصياغة … والحقيقة أنَّ الكلمة تستحق الجر لكونها تلت معطوف .
 

ولا أخفي مستوراً حين أقول أن في المواكب نصوصاً تحتاج لمراجعة وإعادة صياغة … منذ ونحن صغار وأبياتٌ مشهورة تُداعب آذاننا  متعودين على حفظها وترديدها … ملعون من صف الحطب … على باب بيت النبي … شطران من الشعر الفائض بالعاطفة المقهورة …
 

الرادود يبدأ هواسته بالشطر الأول … والجمهور يُجيبه بالشطر الثاني … استوعبت الفكرة جيداً من هذين الشطرين  ومن خلال توظيفنا للهواسة كموشح … إذاً يمكننا توظيفها كوقفة … نظّمت لحناً يتفق مع إيقاع الهوّاسة … وألقيت الوقفة … أبدأ بالشطر الأول فيجيب الجمهور بالشطر الثاني … ثُم أضفت لها أكثر من شطر مثل … طاغوت واقف بالغضب … مرسول من أبي لهب … ثم أنصرف للأبيات … حتى أستنفذ الكفاية منها إلى القفل العائد إلى ما يُجيبني عليه الجمهور …
 

هذه الوقفة وظفتها بعدة ألحان على مدى ثلاث أو أربع سنوات … لكل سنة لحن وأسلوب مختلف … بعد انقضاء ذكرى وفاة الرسول (ص) … تبقى وفاة الإمام الحسن العسكري (ع) المتبقية من الموسم … الذكرى غالباً ما نستنهض فيها غائبنا للظهور… ونستعرض عليه مآسينا ومآسيه … من ذكرى والده مروراً بأجداده الشهداء المظلومين … وما نُلاقي من شظف عيشٍ وحرمان … وكبتٍ ومطاردةٍ وقسوةِ حُكّام لا يعرفونَ للرأفةِ معنى …
 

الإمام المنتظر الغائب … لم يغب غيبته الكبرى حتى أنهى غيبته الصُغرى … الغَيبة الصُغرى تمثلت بوجود أربعة سُفراء يلتقيهم الإمام … من خلالهم يأخذ الشيعة أحكامهم وأوامرهم … بموت السفير الرابع أنهى الإمام الغيبة الصُغرى … وأمره بإخبارالشيعة بحصول الغيبة الكبرى … إلى أن يتم الظهور النهائي حين قيامه بملأ الأرض قسطاً وعدلا بعد أن مُلأت ظلماً وجوراً…
 

بغياب الإمام تمت الغيبة الكُبرى … وكثيراً ما ظهرت دعوات تدّعي اتصالها بالإمام … وارتباطها به بطريقةٍ ما … كل الدعوات كانت باطلة مُدلّسة ترمي إلى ابتزاز المشاعر والإستحواذ عليها … وكهذه الدعوات جاءتنا دعوة السفارة في البحرين … خُلاصة الدعوة أنَّ صاحبها يدّعي اتصاله بروح السفير الثالث الحسين بن روح …
 

إدعاء كذبته الوقائع … وما عليه شخصية القائم على المشروع …ونحن في المواكب كحصنٍ واقٍ للمذهب علينا التصدي لمثل هذه الدعوات الكاذبة … في ذكرى وفاة الإمام العسكري (ع) … جئت بوقفة نددت فيها بالقائمين على دعوى السفارة … انهض انهض يا غايب … الحسن بالسم ذايب …
 

اللهم كُن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه … في هذه الساعة وفي كل ساعة … ولياً وحافظاًوقائداً وناصرا ودليلاً وعينا … حتى تسكنه أرضك طوعا… وتُمتعه فيها طويلا … في نفس الذكرى وظفت اللحن لأسكب فيه هذه الكلمات النورانية … لحّنت الدعاء كاملاً لأقدمه كمقدمةٍ للوقفة … ثم تتلوه وقفة يا لواء النضال الآتي …
 

وللمتفحص في تراثنا الموكبي أن يجد الكثير من الأدعية والأحاديث والكلمات النورانية في قوالب التلحين … وهي ظاهرةٌ جديرةٌ بالعناية والدراسة … والظاهرة عملية فنية معقدة …تحتاج لمتمرس في إبراز اللحن … ومتمكن من وضع اللحن في قالبه المناسب له …
 

النص الموحي بالعاطفة يحتاج للحن تتدفق من نبراته لمسات الرقة … أما النص التوجيهي كالأحاديث ذات المعاني الوعظية فيحتاج لألحان فيها طابع الجدية والإستقامة دون الإستعانة بالألحان المائلة إلى العاطفة … كذلك النصوص الولائية يمكننا إنزالها في قالب الألحان الوسطية … وشيء من العاطفة وشيء من الإستقامة …
 

أما بالنسبة لي فقد أجريت النصوص المقدسة في ألحان متنوعة وبطرقٍ شتى … مثل فاطمةٌ بضعةٌ مني … حسينٌ مني وأنا من حسين … أحب الله من أحب فاطمة … شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا …يبقى على ملحن النص أن يجد الإحساس في النص لينتقل من الإحساس إلى عملية تفعيله في الإيقاع …وتحويله إلى مموسق يجري مع اللطم ويعبرالأسماع … فيؤدي دوراً لا تستطيع الكلمة المنثورة تأديته إلا بعناء … بهذا يستطيع اللحن ذو الإيقاع المنتظم أن يقتحم النفوس …
 

وكم من طفل أصبح يردد أحاديثاً انطبعت في حافظته من خلال متابعته للموكب … وبقليل من التوجيه نستطيع تقديم النص بمعية تفصيل وافٍ لما يرمي له ولما فيه من أبعاد …. لنا عودة
 

34 رجل المواقف

تصنيفات: تجارب موكبية — عبدالشهيد الثور في الساعة 12:44 pm


  

تكافئنا التجارب بصقل عقولنا … تصب فيها إكسير النباهة … وتبعدنا عن مزالق الأخطار … وبقدر ما تكون مجرباً تكون ناضجاً … بكثرة الكتابة يتعلم صاحب القلم أين سقطات القلم تكون … وبحجم المحنة تأخذمهارة … كالنار كلما نفخت فيها حصلت على ضياءٍ أوسع …
 

ونصل بعام 1410هـ بقرب نهايته … ذكرى استشهاد الإمام جعفر الصادق (ع) … أدرجنا الرادود رياض يوسف للمشاركة ليلا في موكب المسير …لا زلنا مصنفين … هذا رادود في مأتم بن خميس … وذاك رادود في مأتم السنابس … نحاول كسر العزلة … وخرق الحصار المفروض بتلقاء ذهنياتنا بمشاركة كل منا في المأتمين … المأتمان في ظاهر خطواتهما يتقاربان … كخطوات تفعيلية إدارية … نحن كذلك كرواديد لا نقل مكانة عن الآخرين …
 

كتب القصيدة الشيخ عبدالهادي المخوضر لرياض … كمنظمين نحن قرأنا القصيدة … وجدنا فيها طرحا يخشى على الموكب والرادود من عرضه … اقترحنا تغيير أو شطب بعض الكلمات … لم يستجب الشاعر للطلب … أعطانا خيارين أحلاهما مر … إما أن تلقى القصيدة كاملة بلا تغيير … وإما أن تُلغى كاملة … هذا ونحن في اليوم الذي يسبق الذكرى … الوقت لا يسعفنا … والقرار يضطرنا لأحد الأمرين …
 

بحسبة ما قررنا إلغاء القصيدة حين اعتذر الرادود رياض أيضاً … وبات الآن علينا إيجاد البديل … كنت أنا البديل … من العصر إلى الليل وقت الموكب أعددت القصيدة … يا عظيماً سار معلناً الله أكبر … نص شعري يقدم رؤية واضحة للمعاني السامية في تكبيرة الإحرام خاصة … وفي التكبير بصورة عامة …
 

سنوات مرت والموكب يتنامى حضوره … والجهود متكاتفة لرفعة الموكب … كانت الإدارة في ما فات من زمن مؤلفة من مجموعة من كبارالسن … أما في هذه السنوات فباتت الحاجة مؤكدة إلى الدماء الشابة …
 

دعينا للدخول في الإدارة … لم يكن النظام انتخابياً … وإنما بالتعيين … أغلب الوجوه التي اختيرت من الرواديد … وكأنها إدارة رواديد … وليست إدارة مأتم بكامل مرافقه … بالطبع فالوجه البارز في المأتم آنذاك هو الموكب … ما يقرب من نصف الإدارة من الرواديد … خبرتنا في الإدارة قليلة جداً … ولما نزل بعودغض طري لم تعركه الحوادث … تلك الإدارة مكونة منا وثلة من الآباء المتمرسين في إدارة أمورالحسينية .
 

الإدارة برئاسة الحاج محمد علي مرهون رحمه الله … الرجل القادر على ضم كل التوجهات تحت جناحه … الرجل الذي تولى إدارة المأتم بعد وفاة الحاج حسين بن خميس … الوصية التي تركها مؤسس الحسينية الحاج أحمد بن خميس تُشير إلى تولي الصالح من الذرية الولاية على المأتم … بعد وفاة (أبو علي) حسين بن خميس رحمه الله لم يكن هناك من المؤهلين لهذا المركز إلا الحاج محمّد علي على ما يبدو …
 

المواقف وحدها تستطيع رسم صور للرجال … استطاع بتفرد اثبات مؤهليته لهذه المهمة … سخاء كفه وبساطة معشره كافيان لذلك … تولى مسؤليته على أتم وجه … لا يلم بالمأتم خطب إلا ويبادر إلى إيجاد حل له … إن أصاب أو أخطأ … لا يصم أذنيه عن ضجيج … وهب ذاته لخدمة الحسين … جبلٌ شامخٌ في مواجهة الملمات … يستدعيه المركز لمرات … ولا ينالون منه ما يُشكل ضرراً على الشعائر … نفسه متسامحة …
 

وروحه تحلق على الجميع روح أب … لي معه ذكريات طريفة … عند اشتداد الجدل الإداري داخل أروقة الإدارة … وحين أواجه مشروعاً لا أعتقد بصلاحيته … يتوجه لي الحاج محمّد علي قائلاً … لا زلت أتذكر قصيدتك التي تهاجم فيها الإدارات … ويعني .. أني كنت أقصدهم وقتذاك … كثيراً ما سمعته يقول … لا تلغوا شيئاً من شعائرنا … وأيام إحيائها … إذا استطعتم الإضافة عليها فافعلوا …
 

لا أجدني أميل لهذا الرأي … هذا التوجه الذي يبحث عن الكم … ولا يعتني بالكيف … أجدني أقول قليلٌ يدوم خيرٌ من كثير زائل … قليلٌ نُحافظ عليه ونتقنه… خيرٌ من كثيرٍ متخم بالسلبيات … إنما كان هذا الرجل يُفكر بمستواه وبزمانه وما يُعانيه … من محاولات السلطة للحد من مد المآتم وأنشطتها …
 

أسلم هذا الرجل أنفاسه الأخيرة في يوم العاشر من المحرم لعام 1428هـ …وكأن أنفاسه تأبى إلا مواساة الحسين في يومه الخالد … عرجت روحه إلى عالم الملكوت محلقة في صحبة الحسين … بعد عقودٍ من البذل والعمل الدؤب والتفاني في رحاب أبيِّ الضيم …
 

جميلٌ منا حين نعود لماضينا ونرى خللاً أن نعترف به … حين نرى كل أفعالنا جميلة ماضيها وحاضرها … هذه حالة ترسخ الخطأ … ولا تفتح باباً لمراجعة الذات … يسود قصائدنا القديمة سيلٌ من المفاهيم … مفاهيم تحتاج لمراجعة … كتبت قصيدت تحكي لسان حال رملة تخاطب ولدها … ضاع ارباك والسهر ضاع ارباك …
 

بالإستفاقة من غيبوبة القلم نجد المعنى غير مقبول … الأمهات في كربلاء يتمنين بذل أفلاذ أكبادهن فداءً لأبي عبدالله … بينما أحداهن بل من أقربهن للبيت العلوي تصف تقديم ابنها مُحارباً في سبيل قضيته … تصف هذا بضياع تعبها …
 

العاطفة الشعبية استولت على زمام النص … وحرفته عن وجهته الحقيقية … والتي تدفع ابنها ليذب عن عمه بإرادته لا تجد فقده خُسرانا … هكذا أقول عن مثل هذه النصوص أنها زلة قلم غير مقصودة … وبالبحث في قصائدنا التراثية سنلاحظ كثيراً من مثل هذه الزلات … ولا ضير علينا حين نُمحص نصوصنا … ونتراجع عن ما هو غير دقيق … ونتبرأ مما هو غير صحيح … وهي مسئولية جسيمة … تقع على عاتق المهتمين بتنقية النصوص من الأخطاء الفكرية …
 

وفي ليلة العاشر أيضاً حينما ألقيت قصيدة … لا توصوني … في نهاية المستهل … من بعدكم يهلي واضيعتي وذلي … تسلل أحد المعزين لداخل الحلقة … أشكل على عبارة (واضيعتي وذلي) يبدو أنه كان محقاً شيئاًما … نحن لا ينبغي علينا تصوير أهل البيت في موقف الخنوع … وإن كان النص لا ينتهي لهذه الوجهة … إنما الحالة هي توصيف … وليست حال بالرضا …
 

هذه القصيدة قدمتها ثُنائية مع مكي جاسم … لنصف الطريق … والنصف الآخر قدمنا قصيدة أخرى ثُنائية أيضاً … اصبري يا بضعة الزهرا … الأولى تتناول الجانب العاطفي … والثانية لها إيضاح البُعد التوضيحي لدور السيدة زينب (ع)…  وهكذا  قسمنا ليلة عاشوراء إلى القسمين الضروريين فيها …
 

قسمٌ للقلب وآخر للعقل … بهذا تُعْرِب النصوص الحسينية عن نفسها … وتستأثر بالمشاعر الجياشة … وتصبح قصائدها أنفاساً تتهادى فوق شطآن القلوب … وتربو في أحضان الذاكرة إلى ما لا أمدَ له في الزمان … لنا عودة
 

33 ثُلاثيٌ لأوّل مرّة

تصنيفات: تجارب موكبية — عبدالشهيد الثور في الساعة 12:43 pm


  

يتفق أن تأتي الخطوة على الخطوة … ممكن أن تضع قدمك مكان ما وضعها آخرٌ قبلك بأمدٍ بعيد … لا تجعل آثارك بلا لون … استخدم الإلحاح في تلوين واقعك بأجمل ما تستطيع … خطواتك اجعلها واضحة … حتى وإن كانت بمحاذاة خُطى السابقين … اجعلها مُميزة … يُشير لها البنان بتفرُدها …
 

بدأ العُنفوان يتقاطر من أطراف الموكب … تلاطمٌ من فيض الطاقات … موسم صفر وعاشوراء تفوحُ منهما رائحة المشاعر الملتهبة بالعشق الولائي … الظواهر ترتجل تباعاً … لحظة فراغ يسكت فيها الرادود … يملؤها أحدهم بشعار …
 

استولى شعار … يا مهدي أدركنا … على المشاعر قاطبة … فرد يغتنم لحظة سكوت من الرادود فيهتف …يا مهدي … يُلبيه الجمهور بأجمعه فوراً… أدركنا … الإرتجال آفةٌ فيها مصارعُ الأعمال … حينما لا ينتبه الرادود لدخول الشعار في سكوته … يحدث خللاً بعودته مع تلبية الجمهور بالجواب … كثيراً ما تكون تأدية الشعار مناسبة … حين تكون بتنسيق مسبق بين الرادود ومن يرتجل الشعار …
 

استهوتني الألحان المنبرية … بالطبع فهي قريبةٌ من القلوب … وتتقاطر بسماعها لوعات السامعين … على وزن ملحمة محمّد بن نصَّار … وباللحن الذي يكرره رُواد المنبر كل عام … جابه ومدده ما بين أخوته … وظفت اللحن للفقرات …  مع تصعيد الصوت بطبقة الجواب … في ليلة السابع من المحرم.
 

أستطيع القول أنَّ القصيدة تملكت القلوب لو لا وجود ما عكّر صفوجوّها … اضطراب وتشاغل في مُقدمة الموكب … الشباب المشتعل حماسة يودون المشي بالموكب بطريقة المشي للوراء … يُعطيك وجهه ويسير للخلف … القائمون على تنظيم الموكب لم ترُق لهم الطريقة …قصيدتي … سمعة لأخو حسين … انقضت بها تلك الليلة من محرّم 1410هـ بين قِيْل ٍ وقال … بأي آذان ٍ يعون قولاً وهم بين أخذٍ وردْ .
 

برع ا لبعض في إنتاج الألحان … سعيد داغر له هذه المَلَكة … أنتج مجموعة من الألحان … يُدون اللحن في جهاز التسجيل … ثمَّ يهبه لأحد الرواديد … أعطى لحناً جميلاً لمكي جاسم … كتبت له القصيدة لِيُقدمها ثُنائياً معَ عبدالله الطبّال … كربله وين أهلنه كربله وين … أثناء التدريب في بيت مكي جاسم خلصنا بنتيجةٍ مَفادُها أن انضممتُ إلى الثنائي فصارَ ثُلاثياً لأول مرة …
 

عقدنا اتفاق أن نُنفذ هذا الثلاثي مرتين … في ذكرى الأربعين في مأتم بن خميس … وفي ذكرى الرسول في مأتم السنابس … وكانَ لنا ما أردنا …
 

في السابق لا نجد مُزاحمة في إلقاء قصيدة المسير بمعية وقفة … القصائد بسيطة التركيب … ذات لحن وانعطافةٍ لا أكثر … قدمت وقفة … يا غريب زينب اوياها اليتامى … آه آه … لدى أول تقديم وبالمحاولة … وجدت صعوبة تنفيذ كلمتي (آه آه) … بإيعاز وتوجيه من بعض المُتمرسين في الموكب ألغيت الآهتين …
 

الإنتباه للأمر وإصلاحه أمرٌ مُلِحٌ وضروري … أمّا المُكابرة والإصرار على السلب لتحويله لإيجاب … فذلك طلبٌ للمستحيل … وهذا لا يُزعزع الثقة بقدر ما يعطيها دفعة لإعادة النظر في اللحن قبل تطبيقه العملي … وما أكثر الدُروس التي تلقيناها في باكورة نشاطنا الموكبي … ولكل رادود تجاربه التي يستفيد منها في تكوين رؤية خاصة … ولكل رؤية احترام وتقدير ما دامت ناتجة عن حصيلة معرفية …
 

ومن عادتنا التردد على مجلس سيد عيسى شرف … نتناول أمور الموكب … من هُناك أستنير بأراء الأخوة في ما يلزمنا من مواضيع … عالجت موضوع الإخلاص في قصيدة … دعوة عظمى في القرآن … كل الطرح بالطبع يستمد أصوله وفائدته من أهل البيت (ع) … وبالعودة إلى رزاياهم وربطها بالموضوع …
 

حين طغا في المجتمع أمر الحب في الله بمفهومه الخاطئ … جئت بقصيدة … ها هي القافلة العُظمى في أرض الشهادة … استعرضت فيها حقيقة الحب في الله وما ينبغي أن يكون عليه … ونددتُ بالظواهر الشكلية وعرّجت على ما علمنا أهل البيت (ع) من حب في الله .
 

عندما تعود الذاكرة للوراء شيئاً يسيراً تجد صوراً لا زالت عالقة في الذهن … صوراً تجد فيها الموكب محاطاً بالعشراتِ من المسجلات … من مختلف الأحجام … تحيط الموكب من الجهات كلها … الكل من أصحاب هذه المسجلات يحرص على التقاط الصوت بنفسه … وفي هذا الخِضم المتومج من الآلات التسجيلية … لا تستطيع أيدي المُتحمسين في تأدية عزائهم الإنتباه لها … رُبما حدث أن صفع أحدهم سهواً مسجلة … فألقاها مبعثرة أحشاؤها فوق الأرض … ويشتد حينها الحنق بصاحبها لخسارةٍ لا يستطيع تعويضها … فكيف يتمكن من تسجيل ما فاته من صوت ؟!.
 

من خلال الممارسة يكتشف الرادود ثغرات نفسه … وكيفية علاجها … يتلجلج اللسان أحياناً … ويخطأ في نطق بعض الكلمات … بفن وبمدارت عليه معالجة الخطأ … لا بأس أن يتوقف … ويؤكد تشجيعه للجمهور … بعض الحالات يدرك فيها الرادود خطأ ما وقع فيه … يعقب عليه بكلمة (يا علي ) … إنما المراجعة السليمة تجنبه مواقع الزلل والخطأ ..
 

ولا نغفل ما للقرآن من دورٍ في حياة المسلم … بنفس وزن قصيدة … يا أمّةً ثارت على أمر الرسالة … أنشأت قصيدة … أحزنتنا أيتمتنا أبي محمّد … تحث المسلم على رعاية القرآن قراءة وفهماً … وأعود في وقت ذكر وفاة الرسول (ص) بالأبيات الأولى للقصيدة السالفة … وحين ذكر الأبيات تعود بالجمهور الذكرى لتلك القصيدة …
 

قد نعتقد أحياناً أن الجمهور يتخلى من ذاكرته عن ذكر ما مضى … كلا فهو محفورٌ في ذاكرته ما إن تعود له إلا ويتذكره … وبعودته يعطي اللحن الجديد بُعداً مختلفاً … قد يساعد على إعطائه دفقة نجاحٍ أخرى ..
 

وكلما عادت بنا الذكرى لوفاة الزهراء (ع) … ننشد في مظلوميتها … بنت الرسول وريحانته من الدُنيا … تغادر الدنيا في ريعان عمرها … ويبقى موضع قبرها سراً … لمدة أربعة عشر قرنا … سرٌ ما في هذا … دلالةٌ على أن الأمة لم تستطع حفظها حيةً … ولم تتمكن من الإحتفاظ بقبرها … وكأنّ ظلامة أخرى تقول … لا يوجد قبرٌ للزهراء …  فهي ما زالت موجودة … فلا يعتقد ظالمها أنها رحلت … فليس من قبر يدل على مواراتها …
 

هي في كل أرض صوت يؤرق ليل الغاصبين … وما أكثر قصائدنا في ظلامتها … في وقفة كتبت … أماه ناداك صوت الحسنين … السلام على من بلا قبر يرى … ولعمر الله ذلك صوت شيعتها ومحبيها يخترق الحُجُب باعثا السلام لها في الآفاق …لنا عودة

32 جاءوا في ظلام الليل

تصنيفات: تجارب موكبية — عبدالشهيد الثور في الساعة 12:43 pm

 

مأمورونَ باللحاق خلف العلم …وإذا فرّ إلى الصين نلاحقه لاصطياده … لاصطياد ما يُسلحنا بالقوة أمام الغد المجهول … الصباحات مليئة بالمفاجآت … ولعلنا أن نكون خبأنا في كنانتنا ما نُدافع به عن أنفسنا قِبالَ جبروت المجهول …ننام لنستيقظ …
 

كم من مهمل رأينا الخير فيه … وكم من متروكٍ عُدنا له فوجدنا فيه الفائدة … مع بروز عصر الوقفات الذهبي … قدّمت وقفة … سيدي قم جدد الأحزان … وقفة مفرطة في شحنات العنفوان … تزخ باللهب المُتدفق من الطائفة المُتشوقة إلى ظهور غائبها المنتظر …
 

لحن الوقفة أهملته لدي لفترات طويلة … مُعتقداً ضعفه عن تقديم شيء مُميّز … الواقع العملي عكس الحسابات برأسي … سجلت الوقفة نجاحاً منقطع النظير … أصبحت مقياساً يُقاس عليها مستوى الوقفات … نهاراً قدّمتها مُعززة بوقفة أُخرى أبياتها بنفس الوزن .. مما سمح لي بإلقاء أبيات الوقفة الأولى في لحن الوقفة الثانية …
 

وهذا فنٌ يستطيع الرادود به جلب التأييد لوقفته الجديدة … حين يتعاطى الجمهور مع الكلمات التي أحبها وانصهر في ترديدها … تلك الوقفة …اهتفوا في العزاء … الأجساد البشرية مكتظةٌ ببعضها كأمواج ٍ بشرية … الأيدي كالأجنحة في الفضاء … الأعلام تُرفرف في الحلقة وعلى جوانبها … زَخَمٌ سيال من الحماس … وطوفانٌ هادرٌ من الأصوات.
 

تتعاقب الوقفات آخذةٌ بعصرها الذهبي إلى أوج عرشه … هيا مع الكرار … نبكي على الزهراء … ولا ينقطع جريان الطاقة المنهمر … وتُقرر الإدارة إحياء ذكرى الإمام الهادي (ع) في 3 رجب  … أقود الموكب بقصيدةٍ من أشهر قصائد الموكب لدينا … مكتوبٌ على راياتِ الإمام …
 

القصيدة اجتمعت لها ظروف النجاح … النص من النصوص العربية الفصيحة البسيطة … لا يكدرك ترميزٌ ولا شفرات … خطابٌ وتوجُعاتٌ يبوحُ بها لسان ألم يبثُ شكوى المؤمنين … اللحن بمقامه الباكي يأسر الألباب والأفئدة … إضافة إلى حركة جديدة في الفقرات … تعاطي وتبادل الدُعاء بين الرادود والجمهور… أقول … اللهم فانصر المؤمنين … يُجيبني الجمهور … اللهم يا إله العالمين …
 

هذه الوصلة جعلت الجمهور حاضراً بلُبه وقلبه في كل مراحل القصيدة … ينتظر شكوى النص … ويأمن على الدعاء … ولسانه لاهجٌ بذكر المستهل حين الجواب… نعم في 1409هـ سجلت هذه القصيدة تاريخاً لإحياء موكب وذكرى الإمام الهادي لأول مرة من المأتم …
 

كما سجل الرادود عادل الأنجاوي في ليلة التاسع من المحرم لعام 1405هـ تاريخاً لموكب ألغى اللطم السريع واستعاض عنه باللطم المتوسط … ذلك أثناء قصيدته التي كتبها سيد عيسى شرف … للأكبر هاي الصرخة … أثناء هذه القصيدة قرر المعزون إلغاء لطمة وإبقاء لطمة … فهم يتركون واحدة ويستخدمون الثانية ويدعون ما بعدها ويأخذون الأخرى معَ إيقاع القصيدة … قرارهم هذا أضفى على القصيدة شحنة حماسية مُضاعفة … كما أنهم في هذه الليلة ابتكروا اللطم مع نهاية المستهل لأول مرة …
 

وتستمر الإبتكارات كأفضل ما يتوصل له  … وكحصيلةٍ لخبرة سنين …ولا تتورع السلطة عن مطاردتنا بين الفترة والأخرى … اعتقل حسين سهوان لعدة أشهر … طبيعتنا في التواصل لا تدعنا ننسى أسرانا … في ذكرى وفاة الإمام الكاظم (ع) قدمت وقفة … لا زالت أصداؤها مُدوية للآن … للكاظم أقبلت شيعته … في أبياتها إشارات لهجوم زوار الفجر عند غفوة العيون …
 

جاؤوا في ظلام الليل … ماذا يا تُرى يبغون … وأبيات التفاعل كما أشاء تسميتها في هذه الوقفة أخذت بأزمة القلوب … قلبٌ مبتلى نادى … ربي فُكَّ كل مسجون … نرى سُجناءنا من نافذة الإمام الكاظم (ع) … ولخطابنا بُعدان…  بعدٌ بعيد … وبُعدٌ قريب … جمهورنا يعي هذا الفن … وجمال السبك الشعري … الخطاب مُوجّه لبني العبّاس … وعندما تنزع وجه السُلطة العبّاسية ترى خلفها كل سلطة نشاطها يتفق معها …
 

في الشعر الحُسيني مُعالجات كثيرة لا تنفك عن الواقع … كتبت قصيدة لحسن المعلمة … تعالج القصيدة موضوع التربية بصورةٍ عامة … القلم يجد مشقة في سلوك الأودية التخصصية … لكن بطريقة ما نحاول تطويعه … من التربية الكبرى … إنطلاقاً من أسلوب الزهراء (ع) في التربية … واتخاذه نموذجاً ومثالاً يحتذى …
 

كذلك نُحاول تدوين مظلومية أهل البيت في التراث الإسلامي … الإهمال المتعمد لإغفال فضائلهم … الأيدي المتواطئة على إبعادهم عن حاضر المسلمين … في ذكرى وفاة الإمام الصادق (ع) 1409هـ وفي قصيدة … في يوم الأسى والخطب مريع … تناولت هذا الموضوع باستيعاب …
 

وفي هذه الذكرى طبقت عملية انشاد المستهل من قبل الجمهور … بعد النهوض من الهوسة مُباشرة … وبمجرد تفوه الرادود به يشترك الجمهور معه … سابقاً ينتظر الجمهور لإنتهاء الرادود … فيستلم المستهل منه بعد انتهائه … بهذه العملية وفرنا وقت مستهل كامل … وأضفنا نبضة تفاعل إضافية … وذهبت هذه العملية كأسلوبٍ يُحتذى به لليوم هذا …
 

نجد كف الغيب سخية بإلهامنا بالجديد والتطوير … الوقفات في عهدها الزاهر  ذلك تترنم بها النفوس … وتنشغف بها الأرواح … أدخلت تطويراً في الوقفة … حولتها من فردية الأداء … إلى ثُنائية الأداء … في وفاة الصادق (ع) … إنَّ آل المصطفى يبكون … وقفة عذبة الألفاظ … رشيقة الألحان … مقاطعها بألحان متعددة … لكل مقطع منها لحن معلوم … أقدم لحنا ويأتي محسن العرادي باللحن الثاني … لمقطعٍ آخر … ولحن المستهل واحد …تؤدي إليه ثلاثة الألحان …
 

هذه الطريقة تُعطي الوقفة دفعة من النجاح …وتُقدم للموكب تجديداً في الوقفة … كأنها ثلاث وقفات … يؤديها إثنان … بينما لا تتطلب جُهداً في الحفظ …
 

وفي فترتنا تلك تغلب الموشحات الملتهبة حماساً … تكثر القصائد ذات الوزن الواحد … ليلى تنشد أبو اليمه حسينها … بهذا الوزن نجد قصائد عدة … تؤدى بلحن واحد … لحن موشح جوابه … واويلاه واويلاه يسيدي يبو حسين … هذا الجواب معتمد لجميع الموشحات من هذا النوع … يغلب على هذه القصائد هاء النسبة مرفقة بألف الإشباع …
 

وهذا فن يفتقده الرواديد الجدد … فهم مقطوعون عن تلك الفترة … ولايعرفون من تفاصيلها شيئاً … إلا النادر القليل … فلكل نوع من أنواع المواكب مميزاته … للوقفة والموشح أسلوب … ولقصيدة الداخل نفس خاص … ولقصيدة المسير مشاعر مختلفة … على الرادود البحث … ليجد أين يوظف قدرته … وعسى أن يجد قدرته منحصره في الهوسة فقط … ليس عيباً الإقتصار عليها … وترك باقي الأنواع … مادامت لا تناسبه … المهم أن تكون مبدعاً فيما تقدم …
 

خطأ وضع الأحمر مكان الأسود … الأحمر في مكانه جميل … والأسود في مكانه جميل … أن تحب لوناً … لا يعني تغيير ألوان الطبيعة لتعميم لونك عليها … وتطبيق رغبتك فيها …. لنا عودة

31 محبوسة الأنفاس

تصنيفات: تجارب موكبية — عبدالشهيد الثور في الساعة 12:42 pm

 

من لايعتني بنفسه لايعتني به الآخرون … فحين لا تشحذ لسانك بالدفاع عن مقدراتك … لن تسمع تسابيح الحمد من أحد … وبكفك تنال ماتريد … لابكف زيد … ولا بلسان عبيد … وعندما تترك شمعتك تعبث بها الرياح ولاتصونها … فلن يفيدك ضجيج التشكي حين تسلب جذوتها عاصفة عابرة … نكتب ليقرأ المقبلون بعدنا ويختصروا الطريق لأنفسهم … ونكون معهم شركاء في خير مايقدمون…
 

أما أن يعيدوا تكرار أخطائنا ليتعلموا فتلك تعاسة مابعدها تعاسة … وأما المحجمون عن القراءة والسماع فأولئك فاقدون لنعمة التوفير … ويضيعون كنزاً من أيديهم.
 

حسن المعلمة يسبقنى في الموكب بمرحلة … والداه رحمهما الله وظفا صوتيهما وماعندهما من طاقة في المآتم … والده قارئ قرآن .. ووالدته معلمة قرآن … ومن هنا اكتسب لقبه … وصاحبة مأتم بجوار منزلهم …
 

 هو يتميز بسرعة حفظه … هذا اعتقاد رافقني لكثرة ماشهدت من مواقف انقذ فيها الموقف بحفظ لحن المعتذر والسير به في الموكب … أو ابتكار اللحن للقصيدة والتمرس عليه وتقديمه … رفقة زمن طويل جمعتني به … نظمنا الموكب لسنوات …
 

في بعضها نجد معنا مرافقين … وإلا نكون نحن الأثنين أكثر المتحملين لسد الشواغر وملأ الفراغات … يقول فأمضي أمره … وأقول فيمضي أمري … لم أجدنا مختلفين في سنوات تنظيم الموكب … ولابد من اختلاف … لكنه لا يصل إلا إلى مرحلة الرأي … ختاماً أحدنا يمضي رأي صاحبه … همنا وهدفنا إنجاز الموكب بصورته الصحيحة … لهذا لم تتمكن المخابرات من معرفة رئيس اللجنة لموكبنا …
 

استلم مني قصيدة … زينب عالنهر تنخى يعباس … أجاد في توليف لحن لها … وجاء اللحن في ليلة الأربعين كأروع ماينبغي أن يكون اللحن … في ليلة تنطفئ فيها البسمات … وتولد الدموع في المآقي …
 

أخذت القصائد في الإتساع طولاً … بعد أن كانت الفقرة ذات أربعة أبيات … أصبحت ستة أو ثمانية ومن الأوزان الطويلة … عليه قدمت قصيدة…  للحسن آداب وتعاليم ومآثر … ليلة وفاة الحسن الزكي في 7 صفر … استوعبت الفقرة طرحاً وتكرارا من ناحية المقبرة إلى مأتم السنابس دخولاً … بعد أن كنا نلقي في هذه المساحة أربع فقرات أو أكثر … ويحدث أحيانا اضطرارنا لتقديم نفس القصيدة عصراً …
 

بدأت الأعداد الغفيرة تنهال على منطقة السنابس … وبدأت بلورته كموكب مركزي في البلد عصراً … أثناء تقديم القصيدة عصرا لاحظت أصواتاً وحركات ملفتة … أوقفت أداء القصيدة … قدمت تنبيهاً للجمهور للإنصات للقصيدة كهدف أولي … واللطم ثانياً وعدم إفتعال الحركات الخارجة عن اللياقة والوقار …
 

لا أجد في نفسي حاجة للشح بما في يدي … كوني منظما للجدول مع الأخوة … لا أقترح نفسي في موضع إلا ما يقترحون … فأجد نفسي موافقا أينما يضعون مشاركتي … أدرجوني في موكب المسير لليلة العاشر عام (1409هـ) …
 

إلى أن جاءت ليلة العاشر تسمعنا خفقات قلوب اليتامى في خيام الحسين ليلة عاشوراء … وجاءني جعفر سهوان يطلب مني السماح له بالمشاركة عوضاً عني … فلم أجد الشح في طوايا نفسي … أبديت الموافقة بطيب خاطر مع لوم من المقربين … أعذر لومهم … لايجدون ماأجد من رؤية في موكب الحسين … فللموكب أن يظهر بصورته الحسنة … وليس جزما ً أن يكون هذا بي … فإذا كان بي أو بغيري فليكن … إما أن لا يكون إلا بي فذلك عبادة الذات … وفي عبادة الأنا … نحثو التراب في أهداف الحسين…
 

 إنطلق جعفر بالموكب بقصيدة فصيحة الألفاظ بليغة المعاني … ياوتر ياثارنا … صعد جعفر بطبقة صوته … وأجهد حنجرته بما لا يمكنه الإتمام إلا بصعوبة … عند مأتم ملا عيسى رحمه الله طلبني لإتمام الطريق بقصيدتي …
 

رأيت نفسي منصاعا لطلبه … لم أحسب ولم يحسب أحد فرق الأداء والوتيرة الصوتية … بين القصيدتين … كانت قصيدته بصوت مرتفع … وقصيدتي بطبقة منخفضة … وعملية إستبدال القصيدتين ببعضهما غير ممكن …
 

الإستبدال في الموكب عادة يكون من المنخفض إلى المرتفع … وبعكس هذا نجعل الفتور والبرود يتخلل الموكب … دخلت بالقصيدة مما سبب الهبوط لمستوى التفاعل … ولم نصل بوابة مدرسة البنين حتى قررنا إعادة جعفر لمواصلة الموكب … قصيدتي .. هذا الليل مسهر زينب … طويتها وأعدتها في جيبي محبوسة الأنفاس…  لم تجد فضاءاً تقضي فيه مايجول بخاطرها …
 

في ذكرى الأربعين أعدتُ الكَرّة …ألبست اللحن قصيدة أخرى … بصوت حسين حسين تنادي … وعدتُ بها … أثبت اللحن نجاحه … وتعلمنا من الواقعة عدة أمور … أن نكون متسامحين في أداء أدوارنا … متفانين في إنجاح الموكب … نُلاشي ذواتنا للوصول لأفضل النتائج … استخدام طبقة منخفضة بعد  طبقة مرتفعة لرادودين متتاليين نسبة الفشل فيه كبيرة …
 

 استخدام نفس الطبقة في ظروف مختلفة لربما أعطى نجاحاً باهراً … الظروف لها يد في تغيير النجاح إلى فشل … والفشل إلى نجاح … عندما نتعاطى مع جمهور يحم