40 الجيشُ مُحْدِقٌ بهم
عند مفترق الطرق ما يُدريك أنك تختار طريقاً ناجعاً … كثيرون مالوا إلى درب الورود طلباً لشذاها … فلم يُعطرهم حين سرقه منهم آخرون … بينما انقبضت أنفسهم من درب الأدغال والممرات المجهولة … وفيها كان الكنز المُخبأ للجادين المثابرين …
جرى في العرف لدينا تسمية المنشد الحسيني رادودا… والرادود كلمة جاءت بصيغة مبالغة على وزن فاعول … صيغة توحي بكثرة أداء الفعل … وإن لم يكن الفعل من أفعال المبالغة إلا أننا نشم من الكلمة هذا … بحكم قربها من اللهجة الدارجة … والكلمة على ما يبدو لا يوجد لها أصلٌ يدل على هذا السياق في اللغة العربية … إنما هي من مبتكرات الحالة العامة … لكثرة ترديد المستهل طلباً لحفظه … أو لكثرة ترديده النصوص الحسينية … لأنه يُردد ترديداً فهو رادود …
وفي حكم اللهجة الدارجة المنخفضة يُسمى أيضاً (شيّال) … لأنه يشيل القصائد أي يحملها ويؤديها والكلمة عربية فصيحة … ومن غريب المرادفات في الكلمات أن العُرف يُسمي النعش المعد لحمل الأموات (شيّال) … فللرادود ثلاث تسميات …
في العربية الصحيحة يُسمى منشداً … وفي اللهجة العامة يُطلق عليه اسم الرادود … أما في اللهجة المنخفضة فهو شيّال … حتى من يُمارس أداء الهوسات يُسمى شيّال … الهوسات نوعٌ لا يؤديه كل الرواديد … ولكن يجمل بالرادود الخوض في كل التجارب … ما دامت في سياق وظيفته … ليتمكن من تنمية قدراته على كل الأصعدة الموكبية …
فتجدني منذ ما يُقارب هذه الفترة رحت أزاول الهوسات وأتردد فيها … كتبت كثيراً من الهوسات … بما لا يزيد عن الشطرين أو الثلاثة … كتبت الكثير منها لعبد النبي الكداد … بحكمه محباً لهذا النوع ومتمكناً منه … هو بدوره لا ينفك يكتب بمقدرته المتواضعة … ويعرض ما كتب علي … أصلح الخلل إن كان فيها خلل ما … من وزن وقافية ومعنى …
وليت الكثيرين من المشاركين في الموكب لدينا يكونوا كهذا … يُجيد دوره … ويعلم ماذا يريد … التوجه للغرض المطلوب بمعرفة القدرة يعطيك النتائج المرجوة … أمّا الطامحون إلى درجات لا يملكون أرجلاً للوصول إليها فتلك طموحٌ كسيحة للأسف …
عام 1413هـ … هذا العام وليلة العاشر مُقبلة علينا تقذف في النفوس هيبة وجلالاً … أعددت وقفتين … وجئت أعرضهما على مجموعةٍ من الأخوة … ومن عادتنا الجلوس في الغرفة العلْوية في الطابق الثاني في المأتم … قبل الموكب هذه عادتنا … نتداول ما لدينا من قصائد وألحان …
عرضت الوقفتين برجاء تنويري … بطبيعة خبرتي أجيد اختيار اللحن المناسب لليلة العاشر … وما خاب من استشار … عرضت لهم وقفة … يا عزيزي يا عزيزي … زينب ودّعوها … ثمّ أعقبتها بالثانية … في كربله مفجوعين … قرَّ قرار الأكثرية على رجحان الثانية على الأولى … لما فيها من توقد وتلهب وحماس … سيما في كسرتها … يابوعلي … ويّه هلي …
بهذا التقدير رأيت أن أقدم الأولى لأرى مستوى نجاحها … وتبقى الثانية للاستعداد … أول ما توقف الموكب بدأت بوقفة .. يا عزيزي … واسترسلت في تأدية المستهل وأعقبته بالفقرة … كانت المفاجأة تعقد اللسان عن الجواب … التفاعل معها منقطع النظير بما لم أره من قبل …
الرقة تقطر من كلماتها … والمعزي يكاد يذوب شجناً من وتيرة لحنها المنبري … وكلما أعدتها في المواقع التالية تجدد نجاحها … وصارت تُثير إحساساً يبعث المنافسة … أدخلت الوقفة الثانية على الخط … ولكن للأسف لم تنل نجاح الأولى … لقد استحوذت الأولى على الألباب … ولم تبق للأخرى شيئاً من الإعجاب …
هذه التجربة تشير إلى أن بعض النجاح قد يخفي نجاحاً آخر … الوقفة الثانية ليست أقل كفاءة من الأولى في تقديري … ولكن لتقديم الأولى في الموقعية … ولتميز ما في لحنها … أعطاها كل هذا مرتبة التقدم والتفوق … وتخيب التقديرات في أحيان … كما كان في هذه المرة … وضعنا معايير للنجاح … وكان الواقع يرسم معايير أخرى … كل المعايير صحيحة … ولكن لوجود بعض الفوارق في النسب تختلف النتيجة .
في هذا العام أيضاً انتقل موكب ليلة الحادي عشر من موكب مكون من حلقتين تتجاوبان إلى موكب بهيئة المسيرة … يُسيّره رادود بقصيدةٍ متكاملة … في السابق كان الموكب بصيغة الحلقتين تتناوبان الرد على بعضهما …
منذ هذه السنة أصبح الموكب مختلفاً … ألقيت في هذه الليلة قصيدة ذات نسق شجي … يبويه خلوني … بالغربة عافوني … ولا يخفى على ذي لب ما في هذه الليلة من الشدة والألم على أهل البيت … فهم في ليلة تذكرهم بماضيهم الزاهر والعامر بظل الأشاوس من بني علي … أما الليلة فالخيام فارغة إلا من النساء والأطفال … والأرض حولهم مغطاة بدماء أحبتهم … والجيش محدق بهم … مُسَلَّبين منكوبين ينتظرون فجراً يُشابه فجرهم الفائت .
في هذه الفترة تم التأسيس الواضح لبحرنة الألفاظ في القصيدة الحسينية … تم تحويل حرف (چ) إلى حرف (ش) في الكلمات … مثلاً في الوقفة السالفة … ايعز عالقلب والله أخليش … ولو كنا في الفترات السالفة لكان مكان حرف الشين حرف (چ) … وبدأت العبارات البحرانية تشق طريقها إلى القصيدة الحسينية … وبدأ عهد التحرر من القصيدة العراقية نوعاً ما …لنا عودة